المشاركات الشائعة

الأربعاء، 6 يونيو 2012

مشاهد من حياتي (2)



كان عالمي محدوداً بدرجة بريئة، كنت أعتقد أن بلاد السودان تقع شمالاً، مباشرة بعد كوشة، ومن خلال حكاياتها وقصصها المثيرة تعرّفت على مفردات لغوية، أجدها الآن نائمة في تجاويف الذّاكرة..
البيئة، كانت صديقتي، كنت أحاول أن أجد تفسيراً لأي شيء تقع عليه عيناي، ولهذا السبب كنت أتلقى لدغات عديدة، من جراء حشر أنفي ويدي في جُحور المجاهيل، كاد يقتلني ذلك الحبّ الخرافي للاستطلاع.... غير أن الأستاذ محمد صالح قاسم (من أرض الحجر) والذي قام بتدريسنا في مدرسة عبري الأولية، وصفني بالاهمال، وقال لبعض زملائه " ذكاء مدفون في الرمال" يومها لم أفهم المعنى العام، ولكنني اعتقدت أنه يمدحني ويصفني بالذكي.. وكنت "خفية" أشعر بنوع من الفخر.. أذكر ولا أنسى، جدول الضرب، والضرب المبرّح الذي كان يلازمنا صباح كل يوم سبت، رحم الله أستاذ مادة الحساب (الرياضيات لاحقاً)، فقد ورّثني كرهاً لا يزول لتلك المادة المزعجة.. كما أحببت ذلك الأستاذ الرياضي محمد شريف "من حلفا"، والذي حبّب إليّ مادة التاريخ... والبحث الحثيث.. ربما إعجابي به كمعلّم صادق" هو الذي وجّهني للبحث والتنقيب في ملفات الثقافة والتاريخ
أمّا اللغة العربية، فقد تلقيت دروسها الأولي وامتهنت عشقها على يد أستاذي الكبير" الراحل حسن أحمد صابونة" رحمه الله، "معلّم الخلوة" في مباني مدرسة عبري الإبتدائية القديمة، بالجانب المقابل لقصر الشيخ أحمد خاطر، وبمواجهة بيت محمد عبد الحميد الأزهري (مُمُور)، أقول بهذا لأنني كنت قادراً، قبل الدخول في المدرسة الأولية، على كتابة خطابات أهل قريتي "بُلُك"، ببراعة، وكنت كاتم أسرارهم الأمين.. ذات مرة جلست عمّتي نفيسة إدريس وأمرتني بكتابة خطاب إلى وحيدها عبد العزيز الذي كان يعمل "محولجي" في السكة حديد بمحطّة كبوشية، وكان قد تأخر في رد خطاب سابق لها.. وكانت تمليني الخطاب وتصرّ على معاينة ما أكتب (بإعادة قراءة ما كتبت)، وتصاعد غضبها رويداً رويداً، ثم أنها بكت بحرقة، فكتبت "أمّك بكت وماتت من البكاء" وفي الأسبوع التالي حضر ولدها عبد العزيز من كبوشية، للعزاء!!
في المدرسة الأولية (الابتدائية حاليا)، تفتّحت آفاقي الاجتماعية، بوجود تلاميذ من القرى المجاورة، ولا زالت تلك العلائق الحميمة تقبع في قاع الذاكرة بحلوها ومرّها.. كنت ضمن التلاميذ (الخارجيين) الذين لا يسمح لهم بالسكن في الداخلية. كان الفقر جامعاً لكل التلاميذ، لم يكن ثمة فوارق بيننا وبين أبناء التجار المحليين، وفي تلك السنوات ظهرت أولى نوازعي القيادية عندما كوّنت عصابة من أبناء "عبرساب" للسطو على مزارع البطيخ وأشجار الفاكهة النادرة هنا وهناك. هناك شائعة غريبة تقول بأن سرقة البطيخ "حلال!!"، وقد أعزو ذلك إلى روح الكرم والتكافل الموغلة في العلاقات العامة، بحيث أن الجائع والضيف يمكنهم أخذ البطيخ دون استئذان، ويبدو ذلك من شيوع جلب الرطب من النخيل دون مساءلة مالكيها، عن طيب خاطر..
سوف أتعرض لتفاصيل تلك المرحلة، لاحقاً، ويقيني بأن الأخ اللدود "حاج" وذلك هو لقب صديق العمر خليل عبد الرحيم.. سوف يحشر أنفه كالعادة، فهو لن يسمح لي بتناول قصص تلك المرحلة، قبله..
حوالي 1959م، افتتح شباب ورجال عبري ناديهم العريق، على أرضية نشاط اجتماعي ثقافي رفيع، في البداية تم اختيار منزل عبده رجب، بجوار مدرسة البنات القديمة، وفي تلك السنة كان الخال عثمان الشيخ إدريس يدير "البوفيه" المتواضع، ويقدم مشروبات الشاي والكاكاو والسحلب المجلوب من مصر، وسندوتشات الفول والعدس للراغبين، وكنت حينها أعمل مساعداً لخالي وأقدم الطلبات للأعضاء المنهمكين في لعب الورق، الطاولة، السيجة، فوق أبراش قديمة.. ولأستاذي الفاضل شوقي حمزة، هنا، رؤية الرائد، فما زالت اللافتة القديمة التي خطّها بيده على بوابة النادي، تثير في الأجيال اللاحقة، الإحساس الحقيقي لتواصلها الحتمي الجميل.. ستكون مشاركته هنا، باقة ورد لنا جميعا.
أبي لم يكن مزارعاً، كان يعمل كنّاساً في القرية مع المرحوم "شحاته" "من عمارة" وتحت إشراف جمال علي خليل، ولاحقاً فؤاد عبد الرحيم، من عمارة أيضاً. ولذا كنت أقضي أوقات الفراغ في مساعدة أصدقائي، ومنهم " خليل مسكة" " وعبده سلامة" وزوج خالتي محمد خليل سورته.. واكتسبت كثيرا من الخبرة وحب جارف للأرض والنبات حين يضجّ بالحياة ويلوّن الحقول بالخضرة اليانعة.. وبرغم أن فناني وشعراء تلك المرحلة كانوا لا يرون في مهنة الزراعة سوي الفجيعة والذُل الدائم، وكان مخرجهم الباقي هو الهجرة إلى "مصر، أم الدنيا"، ولو كان بيدي الأمر كنت أقول لهم، أن السودان النوبي هو أب، وأم الدنيا الحقيقي بشهادة جلّ المؤرخين، في العالم. ياريت، مصر ما تمشي قدام لاستئصال المتبقي من أرضنا النوبية.. ياريت.
كان لابد من التأني قبل الاسترسال في حكاوي الصبا المجنونة، أن أعرّج قليلاً على منطقة شمال السكوت، التي شكّلت ذاكرتي الموسيقية، وثقافتي الحميمة في التعامل مع الآخرين..
لمزيد من التفاصيل عن مركز كوشة، فإن اللورد كتشنر، الذي استقدمه الإنجليز من الهند، لرد السودان إلى بيت الطاعة، وردّ الاعتبار للتاج البريطاني بعد اغتيال غوردون باشا في قصره بالخرطوم في 1885م. كان كتشنر قد شرع في مد الخط الحديدي بين وادي حلفا وكرمة، قبل إنشاء خط حلفا – أبي حمد، حوالي 1898م، عقب انكسار رايات المهدية (الدراويش)، في موقعة "توشكي"، ويقول بعض المؤرخين أن الخط الحديدي بين وادي حلفا وكوشة، كان قائماً منذ عهد الباشا محمد علي، وكانت قرية كوشه مركزاً إدارياً، ومحطّة رئيسة للسكة حديد، ويذكر بعض الرحالة الإنجليز، الذين زاروها،أن كوشة كانت سوقاً رائجة، تكتظ بأصحاب المهن الشعبية، حدادين وحجّارة، جلاّدين،وفخرانية، وكان موظفي الدولة من إنجليز وبقايا مصريين، وأفراد من أصحاب الوظائف الدنيا من السودانيين، يعملون في كوشة، وتشهد أطلال السوق القديم على رواج بشري تجاري كبير، ( رحم الله العمّ حسين مغازي، فقد حاول بعث بعض الروح في تلك المباني الشاهقة، ولم يفلح)،. ويقال بأن عمّنا دهب فضل العربي، عاصر سوق كوشة طفلاً، وكان يساعد أسرته في بيع البُرم والأواني الفخارية، وقد اكتسب منها لقب"دهب ديدي".
شيّد اللورد كتشنر الخط الحديدي من كوشة إلى "أبو صارة" بعيداً عن قرى سكّوت، في خط مستقيم، ذلك لأن النيل يغير مساره شرقاً من عبري حتى قرية كوشه،لمسافة "30 كيلو متر" ثم يتجه شمالا. ويروي بعض المعمّرين من أمثال " أحمد حاجكومبو"، الذي عمل طاهياً للورد كتشنر، أن عمّنا " مصطفى إدريس" من أرض الحجر، عمل دليلاً في جيش كتشنر، بينما جاء "زكي صالح" والد الراحلة "زكية شاية" بعبري، وكان يشغل وظيفة "أشرجي"، سلاح الإشارة، حتى وصول الجيش إلى كرمة.. وقد كافأه اللورد كتشنر مادياً بينما أصرّ العم " مصطفي إدريس" على الفوز بتصديق زراعة القمشة في أرض الحجر بصفة احتكارية، وهنا أستنهض الباحث الشاعر النوبي المهموم إبراهيم عبده، وكل قبيلة (التولّي جاني) لتصحيح هذه المعلومة
لا شكّ أن البوار الذي صادف خط كوشة- كرمة، جاء بعد أن غيرت الإدارة البريطانية رأيها، وشرعت في إنشاء الخط الحالي(حلفا – أبي حمد)، لتقليل التكلفة، من ناحية، ولأن المنطقة النيلية من حلفا حتى كرمة والشايقية، لم يكن فيها ما يدعو لتجهيز جيش لإخضاعها، من ناحية أخرى، وفقدت كوشة أهميتها الإستراتيجية، حتى عام 1914م، وقيام الحرب العالمية الأولى، حيث تمّ اختيار قرية عبري مركزاً إدارياً بديلاً، حتى عام 1927م، حيث نقل المركز إلى وادي حلفا.
لا بد من رابط بين اسم " كوشة" وممالك كوش التاريخية، كما أن مرحلة الازدهار التي سادت فيها، ألقت بظلالها في التكوينات الإثنية -الثقافية للقرية، كعموديتها التي تضم خمس بلدات، ووجود أسرة " برهان"، التي تقوم بعلاج مرض السرطان الحميد "كشرا"، ويسميها البعض " بُرهامي" وتحتكر أسرة الشيخ يعقوب برهان أسرار تلك الوصفة العلاجية ويتوارثونها بشكل صارم حتى الآن،
في كوشة، عاشت خالتي حرم الشيخ، وينتظم أبناؤها وبناتها في عقدهم الاجتماعي المتكافل، الأمر الذي جعلني جزءاً لا يتجزّأ من تلك القرية، وهم أناس مسكونون بحب الغناء، والذكاء والأريحية.
عمودية كوشة تضمّ كوشة –مفركة –فركة – سركمتو ودال" وتمثّل القطاع الأكبر من شمال السكّوت، وهي منطقة غنية بالآثار، والشخصيات القومية المؤثرة، وسأكتفي بذكر العلاّمة الموثّق والمحقّق الراحل محمد إبراهيم "أبو سليم، مؤسس دار الوثائق المركزية، عن جدارة، والدكتور عبد القادر شلبي، وهو علم على رأسه ألف شعلة حبّ للأرض النوبية، مدّ الله في عمره، أما الشيخ جعفر دسوقي، الطبيب الإنسان فعاش في فركة، بحضن " جبل ميمي" وأصل الاسم "جبل موليه". وفي مفركة، تعيش أسرة سمل العريقة، وتنتشر فيها بطون الولياب بكثافة، كما ورد في كتاب "الوليابللاستاذ محمد عثمان فركاوي.. وكانوا حكّاماً لمنطقة سكوت وأجزاء من المحس،وتوجد مقبرة آخر ملوكهم " أحمد كاره" في كوشة، ولا أنسى الفنانين (أحمد آغا، من كولب، والفنان حسن خيري في جزيرة سرقد، والفنان صالح تينة " فركة – سابون)،، والفنان محمد خيري شنان، والشاعر المتمرد محمد مختار عبدون وشقيقه الشاعر عبد الرحيم، في سركمتو، والشاعر الإنسان "مندق على الأزهري"، في فركه..
وللحدادين وجود مكثف في كوشة، الراحل فرح تبد، وهمّد عبد الله، وسيد تبد وشيخ الدين، والباحث النوبي المتّقد سمير بكاب،، والشاعر محمد فضل بكاب، وبما أن المجال لا يتسع لذكر الجميع، فليعذرني كل من خانتني الذاكرة في استحضاره هنا..  كانت كوشة وكل قرى شمال السكوت، هي جنتي الوارفة التي أهرب إليها حين يدْلهِمّ الجو، فحبّهم للغناء والرقص والمرح، هو كل كانوا يملكونه للصمود بوجه غارات الظلام السياسي ورياح الخماسين القادمة من جحيم صحراء العتمور.. والفقر النبيل
وفي هذه المنطقة النائمة على ضفاف النيل، تكسّرت أنياب جنود " حسن قوشي " التركية السابقة" حوالي 1405م (؟)، عندما أرسله الوالي من استانبول لاستعادة سلطة " مملكة كوكّة" بعد سقوطهاا على يد جيش المغاربة.. (ولا ندري.هل كانوا من المغرب، أم من كردفان ودارفور؟)، لهذا الحسن قوشي ينتسب العديد من سكّان السكوت، ومنهم "المقدباب" بعبري. أمّا حاكم "كوكّه الجديد" سُكّر" فقد جاء مع الحملة برفقة أخيه جامع، الذي أصبح شيخاً للإسلام في المنطقة، وعاش في السّكوت،وينتسب إليه العديد من الأسر في السكوت.. كما أن " أنساب المحس" المستخرجة من الكتبخانة المصرية في 1956م، يرتكن على مقدم "سُكّر" الذي يزعم انتسابه إلى كعب الأنصاري
قال القائد التركي الذي لاقى مقاومة شرسة من النوبيين عند جبل ميمي في فركة" أحذورا هؤلاء النوبيين، فإنهم يأتون مع زبد البحر
سوف يطول حديثي عن هذا الجزء العزيز من منطقة سكّوت، عندما أتحدّث عن الغناء الشعبي النوبي  

ود البشير الخضرجي (2)


كان كل شيء يبدو رائعاً وعلى ما يرام، وقد بلغت التاسعة في ذلك العام، أنا كبرى شقيقاتي الثلاث، والأثيرة عند أبي، ورغم أنه لم يحجّ إلى بيت الله الحرام، فإن جدّي سمّاه حاج، كان أبي مصاباً بعشق الشاي والجمال، لا يرتوي منهما أبداً، أمي لم تكن تلبي رغباته المجنونة تجاه الشاي خشية أعباء مالية إضافية، وكنت من وراء ظهرها أجهز له الشاي، كان أبي أبرع من يقتنص الضيوف، من أبعد المسافات، يحلف بالطلاق لجلبهم إلى مضيفتنا، لشرب الشاي. في بواكير طفولتي سمعت أمي تملأ الدنيا صراخاً، تهيل فوق رأسها التراب وهي تندب حظّها، كل ذلك لأن أبي هوى من نخلة طولها متران، ونام في يقيني أن كل رجل وامرأة يحبان بعضهما كأبي وأمي، أصبح الحب في نظري عبادة، من المفترض أن يجازى فاعلها ويعاقب تاركها، لأن الله محبة، حتى أنني حملت في أعماقي وزر خطيبي صلاح، الذي قطعت علاقتي به، أشعر كأن الله سوف يعاقبني.
يتكئ منزلنا على بقايا قصر قديم، فوق شاطئ النيل، يزعم أبي أنه ورثه من جده الكبير، قالوا أن جدّي، كان غنياً كثير الأسفار، وله أصدقاء ومعارف كثر، بطول البلاد وعرضها، يبدو ذلك في سعة مضيفته، ومخلفات حديقته العامرة بجذوع النخل النافقة، أمام باحته المطلّة على الشاطئ، وقصة الثروة الضخمة التي بدّدها أبي في شبابه، بكرمه، أو بعبثه وشيطنته مع النساء، كحلت ذلك في النظرات المريبة، والمشاكسات الداخلية، والتي كانت تحسم دائماً لصالح أمي، كان أبي غاطساً لما فوق أذنيه في عالم السكر، ويخفي ضعفه بحزم مصطنع أمام الأغراب، ثم ينكفئ أمامها سراً ويعتذر، بألطف عبارات الاعتذار، بدا لي أن أمي كانت تستمرئ تلك اللحظات المنتصرة، وتجترها خفية، كنت أسمع همساتها الباكية، عقب كل صلاة، وهي تبتهل إلى الله أن يأخذ بيد زوجها، وأن يمنّ عليه بفيزة إلى دول النفط، فالهجرة إلى دول البترول، كان ولا زال حلم أهل قريتنا، المخنوقة بين النهر وصحراء العتمور، " أرض بلا ظل" كما قالت جدتي عائشة المحسية، رحمها الله. كانت ابتهالات أمي المتواصلة لإبعاد أبي تضايقني، لأن الرابط بيني وبين أبي ظل يتجاوز حد الأبوة والبنوة، إلى رحاب الصداقة الهادئة، كنت أهرول إلى ركن المسيد، وأدعو الله في سري، أرجوه ألا يستجيب لدعوات أمي المتكررة، دون أن يفارقني الإحساس بأنني أرتكب جرما في حق أمي،  فأعود للاستغفار الذليل، سألت جدتي عائشة ذات مرة: أين يسكن الله، فأجابت باختصار، " جلّ جلاله، فوق المسيد"، أنه سبحانه وتعالى، يتجلّى فوق سقف المسيد، فلم أفهم معنى التجلّي، ولما كبرت أدركت عمق إجاباتها وضحالة أسئلتي.
الناس يتوارثون مهنة الزراعة، على ضفاف النيل، في حيازات صغيرة بائسة بين تجاويف الشواطئ المتآكلة والرمال الزاحفة والجبال الذاهبة إلى أعماق النيل، كان أبي مزارعاً يعتمد على ما تجود به أرض ساقيتنا الواقعة بأقصى شمال القرية، تحفّها غابات كثيفة من النخل البائس، والذي لا يسد الرمق، باستثناء ثلاث نخلات، غزيرة الإنتاج قائمة على أكتاف الساقية،  أطلق عليها أبي أسماء كريماته، الكبري سماها بدرية، وذلك هو اسمي، والوسطى آمنة، والصغرى ابتسام، أبي كان فخوراً بنا، رغم حرصه الشديد على إنجاب ابن ذكر، ليقوم بحمايتنا على حد قوله، فهو يكره لقب " أبو البنات، الذي التصق به منذ ميلاد شقيقتنا الصغرى ابتسام، في تلك السنوات كانت أمي تتردد على كل قبور الأولياء الصالحين، تستدر عطفهم بالقرابين، ليساعدوها في إنجاب ابن ذكر، ليس لأن المساعد الطبي لقريتنا كان ضريراً، بل لأنها لا تؤمن بقبيلة الأطباء من أساسهم.   
جارتي وصديقة عمري، تمايا الحلبية، لم تكن حلبية، التصق بها الاسم لبياض لونها الفاقع كالنبقة الناضجة، وبقع الوشم الزرقاء النائمة في ذراعيها وشفتها السفلى، تمايا بنت جعفرية، ابنة ود البشير الخضرجي، ولدت في نفس يوم ميلادي، وكنا جيرة، فنشأنا كما التوائم، كانت تمايا متعافية منذ طفولتها، تفوقني حجماً وذكاءً، وكانت الشيطانة تعرف أنها جميلة، وبها أنفة مغيظة، تنظر إلى شباب القرية من فوق سبع طوابق من التعالي والعنجهية، تختال كالبطة البرية في طرقات الحي، تهفو إليها الأنظار، البريئة والخبيثة، كانت تحلم بفارس يأتيها من الأفق البعيد، ليحملها إلى الموانئ  المحتشدة بنوارس البحر، والمدن التي تعج مصابيحها ليل نهار. تمايا الحلبية كانت يافعة، عندما انهارت أمها جعفرية في فراش الموت وفي بطنها جنين بائس، حملوها إلى شفخانة القرية، واجتهد الطبيب العمومي وقرر تحويلها إلى مستشفى المدينة، أهل البلد يقرّون بأن جعفرية لم يقتلها المرض، جعفرية لم تصمد أمام ويلات وعورة الطريق وبعد الشقة بين قريتنا والمدينة، وبيروقراطية الإجراءات الميرية، جعفرية ماتت وود البشير لا يجد في جعبته شيئاً يقدمه أجراً للتسهيلات الرسمية، على عينك يا تاجر، وخلص أطباء المدينة إلى ضرورة إنقاذ الجنين، بعد أن نفذ وقودهم في إنقاذ حياة الأم، وانحازوا إلى جانب الطفل التعيس، استخلصوه من أحشاء الأم بعد وفاتها، وعاد بشير الخضرجي إلى قريتنا، بابنته تمايا، وهي تنوء بحمل شقيقها صابر، فاستقبلتهم القرية بالبكاء والنحيب، وشيئاً من التشاؤم بالمولود الجديد. أهل قريتنا لا يترددون في مثل هذه الحالات، تتقطّع أكبادهم على الأيتام الصغار، ولا يهدأ لهم بال حتى يجبروا الأب على الزواج بأخرى، لتربية  الأطفال، سيّما وود البشير ما زال بخيره، فأشاروا له ففعل، ومن يومها تحكّرت الزوجة الجديدة فوق قلب تمايا وأبيها، الكثير الترحال،  أصبحت ست أبوها أماًً للفتاة تمايا وشقيقها اليتيم صابر.   
شتاءً أتذكر، والبرد النفاذ يجمّد أجسامنا الصغيرة، في الليل ودفء الموقد، كنا نسمع عواء الذئاب الجائعة قرب زرائب الحيوانات الأليفة، وأصوات كلاب الحي المرعوبة تنداح مع صرصرة الريح، وهي تعبث بشراشف سقف حجرتنا المتهرئ، نسمع صوت أبي وهو يترنم بأغنية قديمة، حفظناها عن ظهر قلب، لكثرة تردادها، فقد كان أبي معروفاً بصوته الجذاب، في مجالس الطرب وطقوس الأفراح، على امتداد القرى المجاورة، ومعروفاً بولعه المتزايد بالجميلات، ولمّا كانت أمي جميلة الجميلات في صباها، فقد تعلّق بها أبي وغنى لها العديد من الأغاني، واصفاً إياها بالقمر والغزالة، وكانت في الحقيقة بطينة جسيمة، تقول أمي أنها قبلت بالزواج به، ولم يكن أفضل خطابها الكثر، قالت بأنه كان أكثرهم طيبة وحنانا، كان يلهب مشاعرها ببراءته المفرطة.
في الجانب الجنوبي من صحن دارنا، ثلاث حجرات متصلة عتيقة البنيان، بأبواب خشبية بالية، الحجرة الغربية بلا سقف، تستعمل كمخزن للعلف وبعض الحبوب، والوسطي هي حجرة نومنا، أنا وجدتي وشقيقتي آمنة، تقابلها بالجهة الشمالية ثلاث أخريات، تتوسطها حجرة خاصة بأبي وأمي، وتشاركهما أحيانا، شقيقتنا الصغرى إبتسام، في فصول الشتاء، أما في فصول الصيف، فقد كنا ننام جميعاً في الحوش الكبير، وهناك شجرة حناء ضخمة تفصل بيننا وبينهم.
لأنني ولدت في شهر طوبة، فأنا أعشق شهور الشتاء وأخشى بردها القارس، وكانت نعاجنا تتكاثر في ذلك الفصل المزعج، وقد شهدت العديد من عمليات التوليد القاسية تلك، بإصرار من جدتي عائشة المحسية، الخبيرة في تلك العمليات، كانت المرأة العجوز، تفسر لغة الأغنام والنعاج، وتهرول في أنصاف الليالي إلى زريبة الأغنام، تعرف صوت النعجة الجائعة والعطشى، كما تعرف أصواتها المستغيثة، وكانت تصر رغم ثورتنا ورفضنا الباكي، على أن تشاركنا تلك الحيوانات الصغيرة مرقدنا الشتوي، وتقاسمنا دفء الحجرة الضيقة، على أية حال، لم تكن تلك الحيوانات الصغيرة، بأنينها ورائحتها النفاذة، بأكثر ضررا، من رائحة الفروة المقطرنة التي تغطينا.
حبوبة عاشه، جدتي لأمي، تتوكأ على سبعة عقود ونيف، تتكوّم فوق عنجريب مترهل قرب الموقد الصغير، وقد عوّدتنا كل مساء، أن تدس يديها في جيوب جرجارها الفضفاض وتنفحنا بعض التمر، قبل أن تملأ أخيلتنا الصغيرة بحكاياتها المثيرة، فاطنة السمحة، جقل وجقلين، الأصبع، فاطمة بنت الصقر، أبو الأبّار، كنا نعيش مع شخوص حكاياتها في كهوفهم وسهولهم الواسعة بغاباتها وحيواناتها المتوحشة، كنا نضحك، نغضب، ونتعارك بأرجلنا تحت الفروة، في مشاكسات عنيفة، لا تنتهي إلاّ بسقوطنا صرعى في إسار سلطان النوم.

حكاية ود البشير الخضرجي ..

مكي علي إدريس
 الرياض ديسمبر 2007م

يوم ولدت شقيقتي الصغرى إبتسام، خرجت عمّتي زينب من غرفة الولادة، وقذفت بالخبر في وجه أبي: جابت بنت، قالتها بحزن عميق، كأنها تعتذر لأبي الذي لم يبتهج بالمولودة الجديدة، حتى أنه لم يهرع إلى الداخل ليطمئن على أمي التي رقدت كالجنازة، لفرط إحساسها بالغبن، كان أبي قبيل تلك اللحظة بساعات، يدعو الله العلي القدير أن يعوّضه بمولود ذكر، كتب اسمه بخط رديء، على باب منزلنا المصنوع من خشب السيّال، وذلك لم يحدث... فعشّش الحزن في قلب أبي، كأن أمي هي التي اختارت جنس الجنين البائس، وكبرتُ وكبر معي هذا الإحساس السلبي المشوّش تجاه جنس الذكور.
أنا كُبرى ثلاث إناث ولدن على التوالي في أسرة ريفية، بضفاف النيل الشمالي، أشجع فريق برشلونة كنوع من الانتماء الوجداني الحُر، فكثيرون من مشجعي فريق الهلال الوطني، يتابعون انتصارات فريق الهلال السعودي، بفوح الاسم الرّنان، كضريبة مستلفة لهلالهم السوداني البعيد عن ساحات الانتصار، وأحب منتخبنا الوطني برغم هزائمه المرة، منذ بروز لافتة الرياضة الجماهيرية في سنوات أبونا وقائدنا الملهم، كنت أمارس السياسة من بين صفوف المستقلين في الجامعة..
 زوجي مبعوث قديم في أرض الحرمين، وقد وفّر لي حياة أسرية مستقرة، تتخللها اجتماعيات محدودة، مضت عشر سنوات من زواجي ولم أنجب حتى الآن، وأعيش حالة مقرفة من الوحدة والتقوقع، ياه!! ما أقسى الحظ العاثر في الغربة!! أعترف بأني لم أتزوج عن قصة حب، كتلك التي يحلم بها المراهقون والمراهقات، ولكنني أقدس العلاقة التي تربطني بزوجي، وأناضل من أجل إبقائه دوماً في دائرة اهتمامي، ولأن سنوات البريق قد انزلق أكثرها، فلا وقت لمغامرة بحث عن مستقبل آخر وردي اللون، ولا أدري، هل أنا سعيدة مع زوجي أم لا، فمن الصعب وضع معايير محدّدة للسعادة في هذه المهاجر البعيدة عن بلادنا الدافئة بالأمن الاجتماعي والتسامح العتيق، فالمهاجرون هنا أنواع متعدّدة، هناك نوع من المهاجرين الباحثين عن الذّات بطوعهم وإرادتهم وقدراتهم المادية والمعنوية، وهؤلاء يأملون كثيراً في العودة الغانمة إلى الوطن الحبيب، بأقصر الطرق، وهم قلّة كصالحٍ في ثمود، أما النوع الثاني فهم الهاربون من مسغبات الأزمنة الرديئة وغلالات الفقر المعششة في أطراف الوطن، المفروش على مليون ميل من الخيرات المدفونة والظاهرة للعيان، المشرئبّون إلى ما وراء شعاب الفقر المقيم، وهؤلاء يتصيّدهم بغاث الاحتيال والسخرة، بقدر سذاجاتهم وموت ضمائر أصحاب القرار، وأحياناً لعدم احترامهم لأنظمة البلد المضيف، منهم من تقطّعت بهم السبل في أسواق العمالة المهرولة وراء الكفاءة المختبرَة، فعادوا عاطلين رغم أنوفهم، على أملٍ يتراوح فوق أجنحة السراب، يستبقيهم فوق جمر الفرج البعيد، وهؤلاء يمثلون قطاعاً مستميتاً في استنساخ التجربة المُرّة جيلاً بعد جيل، هل أتحدّث في السياسة إذا قلت أن هؤلاء المهاجرين يريدون العودة إلى الوطن، عند زوال الأسباب التي أجبرتهم على الهجرة، وإن على حكومات بلادي وضع هذا في الاعتبار؟ ما علينا، ولكن أسمحوا لي بأن أهمس"أنّ هناك صنفاً آخرَ من المغتربين أصابتهم الكآبة ممّا يجري في بلادهم، فوطّنوا أنفسهم تماماً على البقاء الأبدي  في مهاجرهم، فإذا زرت أحدهم في منزله، طالعتك بعض الصور العتيقة لدفوفة كرمة وإهرامات مروي القديمة، وبعض الرسوم والتحف والأناتيك المعبرة عن حوض النيل، ولا شيء غير ذلك يعبّر عن الوطن، الذي مات في قلوبهم وعاداتهم.
أدوّن هذه الخربشات في دفتري الخاص من وراء زوجي، فالأزواج عموماً يتحسسون رجولتهم عند رؤية أوراق الزوجة الخاصة، ومهمتهم هنا ليست إشرافية، بل وصاية يكتسبونها ساعة التوقيع على القسيمة، الوصاية المبنية على أساس الإنفاق والحماية منذ أقدم العصور، فلا غرابة في أنّ زوجي الطيّب لا يشعر بالفراغ والوحدة التي أعانيهما، يعتقد أنه أغرقني في بحور السعادة، هل قلت لكم أننا طرقنا كل أبواب العلاج لاستكمال زينة الحياة الدنيا؟، لقد فعلنا ذلك مراراً دون طائل، وكان بعض القادمين من الوطن في إجازاتهم، يحملون إليّ أشواق أمي وأبي وأخواتي، وشيئاً من تلك الأوراق الملفوفة بإحكام في أغلفة جلدية، لحجب أعين الشياطين وفكّ العارض، أنا قليلة الثقة بتلك الأمور.
أجالس المرآة كعادتي كل صباح، بعد أن يغادر زوجي إلى دوامه الطويل، أتصفح وجهي الطبيعي يمنة ويسرة، تحبطني خطوط العمر التي ارتسمت بعناد حول أجفاني الواسعة. هذا الصباح، مددت يدي للأحمر القرمزي وشعرت بأن شيئاً غير طبيعي يصادر بهجة يومي، شفتي تؤلمني بشدة، لا أستطيع الضحك ولا الابتسام، لعلها المعدة اللعينة، الإمساك المزعج الذي ظل يلازمني منذ سنوات الطفولة.
رنّ في هاتفي المحمول رقم غريب غير معتاد، ترددت طويلاً قبل أن أفتح الخط، وجاءني صوت صديقة عمري تمايا الحلبية!! فصرخت واااااي، مش ممكن ما معقولة يا بت، مستحيل، ودخلت في بكاء هستيري، قالت أنها عادت لتوّها من ماليزيا، مع زوجها المبعوث هناك منذ أعوام، ابتهجت لعودتها، ومنذ ذلك الصباح صارت صديقتي تمايا أيقونتي في المهجر الجاف، التي أهرب إليها حين تتعذر الرؤية وتدلهم الأوضاع بيني وبين زوجي مدحت، تمايا نفسها هي التي أخبرتني بما حدث لوالدها ود البشير الخضرجي، ومنذ تلك الفترة تلوّن دفتري بسيرة ود البشير وناس قريتنا، وطفولتي ومرتع صباي... وأشياء أخرى صدئة تنام في تلافيف الذاكرة، منذ أيام الطفولة البعيدة.

السبت، 26 مايو 2012

مشاهد من حياتي (1)


 

سأحكي في البداية عن مولدي، واعذروني إذا أطلت... كما أطلب توجيهي، متى ما كان لازماً أخترت أسلوبي هذا في الكتابة، رغبة في توثيق بعض أشيائنا النادرة، أو التي نسيناها
لن تبلغ كلماتي تلك الآفاق التي يرتادها، أدب الدكتور صلاح على محجوب ولا حصافة وعمق الأخ خليل عيسى.. الكلام بعد هؤلاء مغامرة..
ليلة مولدي
كان شيوخ قرية (عبري)، يصطفون حول فانوس المولد المعلّق بأعلى القضيب المنتصب بوسط سوق عبري، ذات ليلة قمرية، في منتصف القرن الماضي، يؤمّهم الحاج فرح، ولفيف من هواة الذكر والمديح النبوي، حين هرول بعض صبية حي "بُلُك" حاملين خبر مولد طفل ذكر في بيت الدنقلاوي علي إدريس بلال، حيث نفحته "فاطمة الشيخ المحسية، بالمولود الثالث ، بعد " بدرية و"محمد" الذي اكتسب لقب "عطية" في سنوات لاحقة
كانت القرية في تلك السنوات تعجّ بالأسر القادمة من نواحي دنقلا، ربّما منذ حملة ود النجومي الانتحارية التي أجبرت عواصفها العديد من السكان على الهجرة شمالاً، باتجاه سادا (مصر)، وكان أبي يعمل مزارعاً في سواقي العمدة عبد الرحمن حسن –رحمه الله-،، بصحبة عبد الرحيم خليل (العمدة لاحقا)، وعبد الرحمن قرناص، عليهما الرحمة، وكان جدي إدريس بلال، الذي ينتمي إلى جزيرة "مقاصر" قد جاء إلى قرية عماره قادماً من كوشة، بعد انتقال المركز منها إلى عبري حوالي 1914م، وقد عمل خبيراً في طريق درب الأربعين.. هكذا قال أبي.
قال أبي أنه في تلك الليلة، مدّ رقبته وسط الحضور، ليقتنص نظرات الترحيب في وجوه الحاضرين، وكانوا قد انهمكوا في طقوس الأكل، فبرغم أن مولد طفل جديد في تلك السنوات، كان عبئاً إضافياً، فإن أبي بدا منشرحاً، لأن ميلاد طفل جديد في بيته، كان يعني بلغة العامة توثيق صلاته بعمارة وعبري التي هاجر إليها عام 1914م، بتأكيد أهليته الأسرية،.. أبي تزوج بأمي في يوم 26/4/ 1938م قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية
بعد تناول الأكل، وقبل الشروع في طقوس الذكر والدعاء، صدح الحاج فرح، قائلاً: مبروك يا (علي سونجي)، وإن شاء الله يتربى في عزّك، ويا ريت تسميه "مبارك"، لأنه وُلد في ليلة المولد، عندها أومأ الحضور لأبي مهنّئين ومباركين
جاءت عمّتي نفيسة –رحمها الله- وكانت تسكن بقرية عمارة، جاءت يوم السبوع وهي تحمل اسم "مكاوي" للمولود الجديد، وكانت مبهورة بالاسم، الرنان الذي يحمله أحد أبناء العمدة عبد الرحمن حسن، عمدة عمد سكوت، وقالت أمّي أن زوجة العمدة، أعلنت عدم قبولها بسرقة اسم ولدها، وقالت لها من فوق حمار أبيض ملجم بالحديد:

"خلاص!! التاني كمان سموه حسن" إشارة للراحل المقيم حسن عمدة – رحمه الله

وجاءتني الفرصة، وأنا في الصف الأول الابتدائي (الثانوية العامة بلغة محي الدين صابر)، كانت شهادة ميلادي الحقيقية ( محلك سر)، تحمل اسم مكاوي، بينما كان رفاق الصبا ينادونني "مكي" فاخترت الأخير عنواناً، لسهولة النطق، وخروجاً عن عقوق بيت العمدة، الذي كان له فضل بقائنا كأسرة بقرية عبري، وامتدت تلك الصلة وثيقة – حتى تاريخه
هنا أرجو أن استنهض صديقي خليل عبد الرحيم، ورفيق الصبا، ذو الذاكرة الحديدية، ليخوض معي هذا السرد، فقد كان صديقاً متمرداً، لا تفارقه أنفته المستحقة، وودّه الباقي، وللتاريخ أذكر أن "أسرة العمدة" ظلّت تحتفظ بتلك الآصرة الدافئة، بينها وبين عوام الناس، أبناءً وأحفاد، ليس الآن فحسب، بل كانوا كذلك في أوج سلطاتهم اللامحدودة، على ذمّة الراوي

وهكذا جئت إلى الوجود

ولدت هكذا بقامة أبي ولونه الأسود، وثورته التي لا تحدها حدود، حين يغضب.. وعفوية أمي وطيبتها، ونظرتها الصوفية للحياة.. وبعض رذاذ الشارع المفتوح
ولدت في (17 نوفمبر)، من ذلك العام، وأحتفلُ معنوياً بعيد ميلادي مع الفريق إبراهيم عبود قائد السطو العسكري الأول على السلطة ببلادنا، منذ خروج الإنجليز.. لذا أجد الأستاذة الفاضلة "أم النوبيين" سعاد إبراهيم أحمد، لا تحب تذكيري بذلك التأريخ البغيض
كان بعض الوافدين من نواحي المحس ودنقلا وحلفا، يسكنون في الجزء الشمالي من القرية، شرق السوق الحالي.. وهو الجزء الذي كان فيما مضى، معقلاً ومسكناً للعسكر وموظفي الدولة من إنجليز ومصاروة، بينما ترقد قرية عبري القديمة منبسطة على شاطئ النهر العتيق، وتمتد جنوباً بشكل نصف دائري، محفوفاً بالآلاف من أشجار النخل المشرئبة، دون انقطاع، حتى مشارف جزيرة صاي، وتضم عبرنساب، عبرنكونج، وقرية تبج.
قبل الحرب العالمية الثانية، كانت المراكب الشراعية الضخمة، تمخر عباب النيل من كرمة والشايقية إلى الحدود المصرية، وتحمل في متونها شحنات من التمور والبقوليات التي تنتج بكميات متواضعة في الحيازات الصغيرة والمتمثلة في الزراعة بالسواقي والشواديف، بينما كانت القوافل البريّة تتجه شمالاً إلى وادي حلفا، وجنوباً حتى كرمة، محمّلة بالبضائع، وأثواب الدمور والحلويات والسكر والشاي وبعض المنتجات الزراعية. وبعض المسافرين
كان تجار السّكوت، يسافرون في قوافل صغيرة إلى منطقة الدّبة، ثم يعبرون النيل إلى نواحي طريق دنقلا-أم درمان، ثم يميلون إلى الدويم، وكانت لهم سوقاً تجارية ، يشترون منها المصنوعات اليدوية،والجلدية بشكل عام، ومواعين القرع المنقوش، وأقداح الأكل الخشبية، المصنوعة في الغرب السوداني ( كردفان ودارفور، ويقول بعض كبار السنّ، أن بعض كبار التّجار كانوا يتاجرون بين المحس والسكوت، والغرب مباشرة بطريق درب الأربعين، وعن ذلك الطريق هاجر الكثير من النوبيين إلى غرب السودان، ولا أستبعد العكس، ففي قرانا نجد العديد ممّن ترجع أصولهم إلى الغرب السوداني ، وعلى رأي بعض المؤرخين فإن المحس وأهل السكوت ونواحي حلفا، هاجروا فعلاً من كردفان إلى ضفاف النيل واستقروا في مناطقهم الحالية، واختلطت لغاتهم باللهجة الدنقلاوية وأفرزت لهجة الفاديجا الحالية والتي تضم مناطق (محس-سكوت-حلفا – والنوبة المصرية)، أما لهجة الكنوز فبقيت على ما كانت عليه، لم يتمكن الفاديجا من التأثير عليهم، إلاّ بقدر ذلك الفارق البسيط بين لهجتي دنقلا- كنوز، وهم شعب مملكة دنقلا قبل حلول الفاديجا، فاسم الكنوز مجرد لقب رفيع تقلده حاكم مملكة الكنز الإسلامية، بعد تسليمه "أبي ركوةالأموي لسلطات الوالي في مصر
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ظهرت أولي العربات التجارية، وحلّت محل القوافل البرية والمراكب الشراعية. ويقال أن المرحوم (هاشم محمد بدر) من أوائل الذين حملوا رخصة قيادة العربات في منطقتنا، بينما يقول عمنا الراحل محمد عثمان حاج، أنه شاهد "علاء الدين محجوب" من عبري، يقود سيارة عام1935م، وقال بأن تلك السيارة كانت من بقايا حرب الكفرة، والتي تمّت صيانتها في مدينة وادي حلفا، "التوفيقية" قبل مجيء اللورد كتشنر إليها، والذي مدّ خط السكة حديد من حلفا إلى كرمة" كمرحلة أولى، قبل أن يتجه إلى أم درمان بطريق (حلفا- أبي حمد).
كانت قرية عبري محطّة برّية وسوقاً تقليدية للقرى التي تجاورها، يتوارد إليها أجناس عديدة من البشر، يمرّ بها حجّاج بيت الله الحرام القادمين من غرب السودان وبلاد التكرور، وقد حملوا فوق ظهورهم بعض البضائع التقليدية كالعطور وقلائد الخرز والدبابيس..الخ، كما يمر بها المسافرون من نواحي السودان المختلفة، في طريقهم إلى مصر، بينما تخصّص الشوايقة والمناصير في شراء شتول نخل السكوت المعروفة بالجودة،
منذ بواكير صباي كنت أعمل في "مطعم" الخال عثمان الشيخ- رحمه الله- وهكذا دخلت في أجواء السوق المكتظ بالمتحدّثين بالعربية، (لا أدري، ككثير من أبناء القرى في الشمالية، متى أجدت التحدّث باللغة العربية)، ولكني أفهم أن وجودي في سوق عبري جعلني منفتحاً، أكثر من غيري من الأنداد.
في الحي، كانوا يلقبوني ب(اوشّي) ومعناه العبد، لسمرة لوني، والذي أفاخر به الدنيا، فهي ورقتي الأصلية للانتماء ، كوني نوبياً، ولم يربطوا اسمي بأمي إلاّ في مرحلة متقدّمة (مكي بابه)، وكنت فخوراً بذلك، حيث أن كثيرون في قرانا يحملون مثلي أسماء أمهاتهم، من أمثال سعيد حجّة، سيد حميدة، عباس صليحة، حسن دُقدُق، حسن اريا، عامر سيدة. ولا شك أن الخلفية الأمومية للشعب النوبي، ومدى احترام الأهالي لأمهاتهم، وعلى أرضية ثقافة (أم الملك)، وتتويج "ابن الأخت" كملك، أفرز هذا الجانب المهم في دور المرأة في الحياة الاجتماعية، وصنع الحياة وحماية البيئة

آشه ابدونجدّتي لأمي:

هناك، شخصية محورية لوّنت ميول مكي علي إدريس في تلك السنوات الضبابية، تلك هي" آشه أبدون"، جدّتي لأمي، وترجع أصولها إلى قرية جدّي – المحس، تزوّجها جدي الشيخ إدريس الصائغ، الذي كان (تبد) حقيقي وفنان، ورّّث أخوالي "عثمان الشيخ" وحسن الشيخ، رحمهما الله، تلك المهنة النادرة (الآن) في منطقتنا، ولكن الأحفاد مبارك عثمان الشيخ وإخوته بعبري استبدلوها بأعمال اللحام وشيئاً من تلتيق اللديترات بسوق عبري..
آشه أبدون هذه، ورّثتني الكثير، الصّبر، القناعة، توسّم الخير في الآخرين، والسخرية أحياناً، فقد كانت إنسانة مرحة، وجادّة بصرامة، ولكني لم استوعب دروسها في إدارة الخد الأيسر عند الشدائد.. قضيت معها أحلى سنوات الطفولة، واستعمرت خيالي البسيط بقصصها ونوادرها التي لا تنتهي، كان حضنها الدافئ مسرحي ومربط بوارجي وسفني الخضراء، ، أماّ أهم ما رضعته منها فهي اللغة النوبية، المحسية المطعّمة بلون الأرض وشبقها الدائم للبقاء الآمن.. آشه ابدون كانت لا تخشى شيئاً في هذا العالم قدر خشيتها وارتعابها من مجرد رؤية (العسكر)!!! "كورتي مور" ويبدو أنها كانت على حق.. ففي كل المعمورة يظل العسكر – في خدمة الشعب- ولكن أنظمتنا البائدة والآيلة إلى الفناء، شوّهت صورة الحارس الأمين إلى صور بشعة من "زوّار الفجر" وملاحقة الأبرياء وحماية الظلمة والمفسدين ومصّاصي دماء الشعوب، ولبن الأطفال!!

الثلاثاء، 22 مايو 2012

إركن أُـّوو منقا آيلو هكّيلو ....منوي أ,دّو جافيناي نيرا مشكّا دوكّيلو

بسم الله الرحمن الرحيم ... نبدأ 
بالتحية والسلام لمن من مرّ بهذه النافذة
 والشكر لمن اقتطع من وقته ليقرأ
أفكارنا ومرئياتنا في الحياة 
ودمتم ذخراً 
مكي علي إدريس- الخرطوم الكلاكلة- اللفة