المشاركات الشائعة

الخميس، 7 يونيو 2012

الأزياء السودانية .. الجرجار في شمال السودان


الجرجار ليس زيا نوبيا أصيلا
Mekki Ali Idris
انقل لكم وللقراء المقالة التي نشرتها بمجلة الفيصل قبل سنوات، حول زي  الجرجار، وقد تم نشرها في منتديات أبوسمبل ... ودار هناك حوار شرس بيني وبين النوبة المصريين.... وها أنذا انشرها هنا لمزيد من النقاش المفيد....
**
الأخ عبد القادر: عندما ذكرت ان الجرجار ظهر بعد دخول عبد الله بن ابي السرح، قصدت أنه زي عربي أصيل... وليس تحديدا لتأريخ معين.....
كامل الاحترام لكافة الآراء القائلة باصالة الزي المسمّى "الجرجار"، والذي ازدهر في المنطقة النوبية، بشكل عام، والمنطقة الواقعة بين وادي حلفا وأسوان، بصفة خاصة
الجرجار.. ليس زيا نوبيا
قال لورد باكون:
ليس ما يجعل الناس أصحاء أقوياء هو ما يأكلون،
وليس ما يجعلهم أغنياء هو ما يربحون وإنما ما يدّخرون
وليس ما يجعلهم علماء هو ما يقرءون وإنما ما يتذكرون ويستوعبون ،
وليس ما يجعلهم أفاضل أو أتقياء ما يتشدقون به ويتظاهرون وإنما ما يعملون (انتهى).

يجد المتتبّع لتاريخ - منطقة وادي حلفا – بشمال السودان في القرون القريبة رواج الثقافة العربية – الإسلامية وتأثيرها الواضح في أجناس الفلكلور النوبي بصفة عامة، وخاصة بعد قيام مملكة الكنز الإسلامية في الجزء الشمالي لمملكة المقرة المسيحية عاصمتها (المحدثة) قرب أسوان، والتي عاصرت الحقبة الفاطمية بمصر، وقد انعكست آثار الثقافة العربية الإسلامية في تفاصيل حياة إنسان تلك المنطقة بدءاً بطقوس وشعائر الدين الإسلامي وانتهاءً بالممارسات الغنائية والعادات والتقاليد وأنماط السلوك والأزياء الشعبية. وأهتم هنا، بتناول الزي النسائي النوبي المعروف باسم الجرجار، وكان شائعاً في العقود الماضية قبل تهجير نوبة السودان ومصر بقيام السد العالي في أقصى الشمال السوداني وجنوب مصر، ويحظى باهتمام النوبيين كزي شعبي أصيل يأخذ مكانه وبقوة في العروض والمناسبات ذات العلاقة بالتاريخ والتراث.
لابد هنا، من الإشارة إلى ظهور المجتمعات العشائرية في فجر التاريخ وابتداع الدولة وسن القوانين لحماية حق
الإنسان في الحياة، وبروز المكتشفات التاريخية لتطويع الطبيعة وترويضها لمصلحة الكائن الذكي الذي نجح في ترويض النار وامتهان الزراعة وتأليف الحيوان...الخ، ومن ثم تلوين حياته وتمييزها عن الكائنات الأخرى بالعادات الذكية والتقاليد والمعتقدات المكتسبة، والتي بدورها أخذت في التمايز والتباين بفعل اختلاف البيئات وتباينات المناخ، والمتأمل لمكونات الزي وأشكاله في أية بقعة في العالم يجدها متوائمة مع البيئات التي أفرزتها ومتأثرة بعوامل الحرارة والبرودة، الجزع والأمن، وقيمها المبنية على (عادات وتقاليد ومعتقدات) والحالة الاقتصادية للشعوب.
الأزياء الشعبية السودانية تشكّلت من كم تراكمي من الثقافات التي وضعت بصماتها في أشكالها وألوانها، وليس دقيقا وصف الجلباب وغطاء الرأس (العمامة) بأنه زيّ سوداني أصيل، فالجلباب والعمامة نجدها في أجزاء كثيرة من العالم ومن الصعب التفريق بين أغطية الرأس السودانية والعمامة التي يعتمرها الرجال في أفغانستان ورجال البادية السعودية وفجاج الشام والشمال الإفريقي.
بيد إن وصف الجرجار كزي نوبي أصيل، لا يستند إلى دليل، فهو زي عربي – شرقي الانتماء، إنه ذات الحجاب الإسلامي ونجده في بوادي وأرياف السعودية واليمن وعمان وأرياف الشام وريف مصر، وشمال السودان كأثر مرصود للهجرات الشرقية، قبل وبعد الإسلام، الذي انتشر في المنطقة الشمالية من الإقليم النوبي، كزي نسائي، كما انتشر في المناطق التي غلبت الثقافة العربية فيها بالمسوغ الديني.
إن واقع الحال يسند زعمنا بأن الزي النوبي القديم لم يكن يختلف كثيراً عن الزي الفرعوني المعروف، وذلك
لتشابه المناخ والثقافة والبيئة، وهذا ينسحب على أزياء سكان العمق الإفريقي بجهاته الشرقية والغربية والجنوبية، فالمدقق يلحظ مدى التشابه إلى حد التطابق بين أزياء نساء النوبة (الآن) وأزياء سكان موريتانيا ودول القرن الإفريقي(الصومال- إثيوبيا- إريتريا) وفي أواسط السودان حيث سادت الممالك النوبية المسيحية.
ولما كان الجرجار بأنواعه يتكون من ثلاثة قطع أو أكثر، ويتميز باللون الأسود الكالح، فإن أهم أسباب انقراضه في المنطقة النوبية أنه لم يكن يتناسب مع الأجواء الحارة التي يتسم بها الإقليم، إضافة إلى أنه لم يكن يتناسب مع طبيعة المرأة النوبية الكادحة في حقول الزراعة، والتي توازي مساهمتها في صنع الحياة دور الرجل، إن لم تتجاوزه
نقول بهذا، رغم علمنا بأن تاريخ الأزياء في بلادنا عريق ومتشابك حد التعقيد، وينهض في مجمله ملونا بشكيمة الثقافات الإفريقية وإفرازات التلاقحات الإثنية والثقافية والتاريخية. ويظل دافعنا في توضيح هذا اللبس هو تقصي الدقة في التعبير عن أجناس التراث السوداني، وعدم الخلط بين ما هو مكتسب وما هو أصيل.
وخلاصة ما يمكن قوله حول الجرجار، إنه مجرد موضة أخذت مساحة من الانتشار في مرحلة تاريخية معينة ثم انقرضت لعوامل مرتبطة بالبيئة والعادات والتقاليد. الزي الإسلامي انتشر في مراحل تاريخية معينة، في الممالك الإسلامية التي نشأت في أواسط وغرب السودان مثل سلطنة الفور ومملكة الفونج والدولة المهدية وسلطة الإنقاذ الحالية، ولما كان للمكونات البيئية القول الفصل في استمرارية الموضة كقيمة ثقافية قصيرة المدى، فإن الزي النوبي النسائي قد أخذ أشكالا عدة، عبر تاريخه الذاهب في القدم، منها الزي الشرقي- الإسلامي
لا أفهم المغزى التاريخي والدلالي الذي يرمي إليه النوبيون وهم يبتسرون تاريخهم بوضع نماذج شائخة مثل المشلعيب وأبراش الخوص وسعف النخل ونماذج مصغرة من المراكب الشراعية والسواقي ومعثورات قديمة من أزياء الجرجار..الخ، في صالات المعارض التراثية.
فإذا صحّ حدسي ووضعت بعض االتسويغات لوجود نماذج من الكتابة الحرف النوبي القديم أو كتب ثقافية تتناول التاريخ النوبي من زوايا جديدة، أو شيء من المعثورات التي تؤكد سبق النوبيين فيها، فإن أي تسويغات أخرى تصبح قاصرة في الدفاع عن سواقي وأبراش ومراكب لا تمثل أي سبق نوبي مميز، يستحق العرض بتلك الصورة المتكررة،
كما يقفز إلى ذهني خواء الفكرة التي تجعلهم يتمسكون بعرض زي نوبي حديث نسبيا و(منقرض) على أرض الواقع، دون وضع اعتبار لأهمية دراسة أزياءهم الحالية والتي تتطابق مع أزيائهم عبر آلاف السنين..
تمنيت لو تكرم الباحثون في الأزياء النوبية (البروفيسور مصطفى عبده) مثالاً، بتوضيح هذا الجانب الفلكلوري الهام، والحديث عن الأزياء النوبية تاريخيا للفائدة العامة.

منقول من الفيس بوك موقع الاستاذ مكى على ادريس
http://www.facebook.com/profile.php?...20234754722545
reputation

الأربعاء، 6 يونيو 2012

منظمة أصدقاء الآثار السودانية


منظمة أصدقاء الآثار السودانية

تقوم المنظمة على حماية الآثار كإرث إنساني هام، ومصدر ثروة وطنية، ينبغي أن تتضافر جهود الراعي والرعية، في حمايتها ونشرها.
تتواصل مناشط المنظمة، في إطار احتفالها بيوم السياحة العالمي في التاسع والعشرين من ديسمبر القادم، بإعداد برنامج احتفالي كبير، في جزيرة صاي التاريخية، من السابع والعشرين إلى التاسع والعشرين من ديسمبر،
وقد قام السفير السابق، الأستاد صلاح محمد أحمد، متحدثا باسم المنظمة، في اللقاء التلفزيوني باستويو قناة الشروق، أمسية الاثنين، أمس الأول، لطرح فكرة الاحتفال، ومغزاه التاريخي، وأهمية رفع الوعي الشعبي، ليطلع بدوره الهام في حماية مواقع الآثارات، وأشار إلى أهمية توفر البنى التحتية، كأولوية قصوى ..
كما سرد على طاولة زمنية وجغرافية، المناشط التي ستقوم عليها الاحتفالات، على امتداد جزيرة صاي، وقد بدا لي الأمر كما لو أن المنظمة  تستنهض الأمة السودانية وعشاق بلاد السودان التاريخية، من أرجاء الأرض، لإلقاء نظرة مستحقة، لحكاية الآثار في شمال السودان، الكنوز الوطنية التي تشتكي لطوب الأرض، ما أصابها من دمار، بقصد أو بدونه.
إن تسليط الضوء على مواقع آثاراتنا الغنية، يرفد بشدة باتجاه ضرورة الحفاظ عليها، وحمايتها من اللصوص، ويقال أن للصوص الآثار تاريخ طويل ممتد عبر التاريخ النوبي القديم، ولكن وحتى لا ننجرف إلى القديم، دعونا نفكر معا في " جرائم العصر" التي تُرتكب عشية وضحاها، باسم التنقيب العشوائي للدهب، في انحاء كثيرة من السودان، وبصفة خاصة في الشمالية، حيث توجد أغنى الحقول الآثارية في إفريقيا.
في جزيرة صاي، ترقد رفاة وأبنية وأدوات أقدم الحضارت السودانية، من العصر الحجري وامتدادا بحضارة كوش، نبتا، مروي، وإلى"التركية".
ظهرت بوادر الإتجار بالمعثورات الآثارية، ببلاغات موصودة في مضابط الشرطة، وفي الحكاوي الشعبية، قد تم مؤخراً، إنشاء أقسام شرطة الآثار في الشمالية، وهو إنجاز هام، تزامن مع بروز سرقات الآثار بشكل غير مسبوق، مقرونا باسم التنقيب العشوائي للدهب، وقد تصالح بعض المسئولين مع النشاط المدمر، وسماه " التنقيب الشعبي".
وقد شاركت في اللقاء، بتقديم بعض الآراء، وبعض الأغنيات النوبية بآلة الطنبور.. ولم أتمكن من تقديم بعض ملاحظاتي لضيق الوقت، وربما لضيق صدر الراعي. ونعود.

مشاهد من حياتي (2)



كان عالمي محدوداً بدرجة بريئة، كنت أعتقد أن بلاد السودان تقع شمالاً، مباشرة بعد كوشة، ومن خلال حكاياتها وقصصها المثيرة تعرّفت على مفردات لغوية، أجدها الآن نائمة في تجاويف الذّاكرة..
البيئة، كانت صديقتي، كنت أحاول أن أجد تفسيراً لأي شيء تقع عليه عيناي، ولهذا السبب كنت أتلقى لدغات عديدة، من جراء حشر أنفي ويدي في جُحور المجاهيل، كاد يقتلني ذلك الحبّ الخرافي للاستطلاع.... غير أن الأستاذ محمد صالح قاسم (من أرض الحجر) والذي قام بتدريسنا في مدرسة عبري الأولية، وصفني بالاهمال، وقال لبعض زملائه " ذكاء مدفون في الرمال" يومها لم أفهم المعنى العام، ولكنني اعتقدت أنه يمدحني ويصفني بالذكي.. وكنت "خفية" أشعر بنوع من الفخر.. أذكر ولا أنسى، جدول الضرب، والضرب المبرّح الذي كان يلازمنا صباح كل يوم سبت، رحم الله أستاذ مادة الحساب (الرياضيات لاحقاً)، فقد ورّثني كرهاً لا يزول لتلك المادة المزعجة.. كما أحببت ذلك الأستاذ الرياضي محمد شريف "من حلفا"، والذي حبّب إليّ مادة التاريخ... والبحث الحثيث.. ربما إعجابي به كمعلّم صادق" هو الذي وجّهني للبحث والتنقيب في ملفات الثقافة والتاريخ
أمّا اللغة العربية، فقد تلقيت دروسها الأولي وامتهنت عشقها على يد أستاذي الكبير" الراحل حسن أحمد صابونة" رحمه الله، "معلّم الخلوة" في مباني مدرسة عبري الإبتدائية القديمة، بالجانب المقابل لقصر الشيخ أحمد خاطر، وبمواجهة بيت محمد عبد الحميد الأزهري (مُمُور)، أقول بهذا لأنني كنت قادراً، قبل الدخول في المدرسة الأولية، على كتابة خطابات أهل قريتي "بُلُك"، ببراعة، وكنت كاتم أسرارهم الأمين.. ذات مرة جلست عمّتي نفيسة إدريس وأمرتني بكتابة خطاب إلى وحيدها عبد العزيز الذي كان يعمل "محولجي" في السكة حديد بمحطّة كبوشية، وكان قد تأخر في رد خطاب سابق لها.. وكانت تمليني الخطاب وتصرّ على معاينة ما أكتب (بإعادة قراءة ما كتبت)، وتصاعد غضبها رويداً رويداً، ثم أنها بكت بحرقة، فكتبت "أمّك بكت وماتت من البكاء" وفي الأسبوع التالي حضر ولدها عبد العزيز من كبوشية، للعزاء!!
في المدرسة الأولية (الابتدائية حاليا)، تفتّحت آفاقي الاجتماعية، بوجود تلاميذ من القرى المجاورة، ولا زالت تلك العلائق الحميمة تقبع في قاع الذاكرة بحلوها ومرّها.. كنت ضمن التلاميذ (الخارجيين) الذين لا يسمح لهم بالسكن في الداخلية. كان الفقر جامعاً لكل التلاميذ، لم يكن ثمة فوارق بيننا وبين أبناء التجار المحليين، وفي تلك السنوات ظهرت أولى نوازعي القيادية عندما كوّنت عصابة من أبناء "عبرساب" للسطو على مزارع البطيخ وأشجار الفاكهة النادرة هنا وهناك. هناك شائعة غريبة تقول بأن سرقة البطيخ "حلال!!"، وقد أعزو ذلك إلى روح الكرم والتكافل الموغلة في العلاقات العامة، بحيث أن الجائع والضيف يمكنهم أخذ البطيخ دون استئذان، ويبدو ذلك من شيوع جلب الرطب من النخيل دون مساءلة مالكيها، عن طيب خاطر..
سوف أتعرض لتفاصيل تلك المرحلة، لاحقاً، ويقيني بأن الأخ اللدود "حاج" وذلك هو لقب صديق العمر خليل عبد الرحيم.. سوف يحشر أنفه كالعادة، فهو لن يسمح لي بتناول قصص تلك المرحلة، قبله..
حوالي 1959م، افتتح شباب ورجال عبري ناديهم العريق، على أرضية نشاط اجتماعي ثقافي رفيع، في البداية تم اختيار منزل عبده رجب، بجوار مدرسة البنات القديمة، وفي تلك السنة كان الخال عثمان الشيخ إدريس يدير "البوفيه" المتواضع، ويقدم مشروبات الشاي والكاكاو والسحلب المجلوب من مصر، وسندوتشات الفول والعدس للراغبين، وكنت حينها أعمل مساعداً لخالي وأقدم الطلبات للأعضاء المنهمكين في لعب الورق، الطاولة، السيجة، فوق أبراش قديمة.. ولأستاذي الفاضل شوقي حمزة، هنا، رؤية الرائد، فما زالت اللافتة القديمة التي خطّها بيده على بوابة النادي، تثير في الأجيال اللاحقة، الإحساس الحقيقي لتواصلها الحتمي الجميل.. ستكون مشاركته هنا، باقة ورد لنا جميعا.
أبي لم يكن مزارعاً، كان يعمل كنّاساً في القرية مع المرحوم "شحاته" "من عمارة" وتحت إشراف جمال علي خليل، ولاحقاً فؤاد عبد الرحيم، من عمارة أيضاً. ولذا كنت أقضي أوقات الفراغ في مساعدة أصدقائي، ومنهم " خليل مسكة" " وعبده سلامة" وزوج خالتي محمد خليل سورته.. واكتسبت كثيرا من الخبرة وحب جارف للأرض والنبات حين يضجّ بالحياة ويلوّن الحقول بالخضرة اليانعة.. وبرغم أن فناني وشعراء تلك المرحلة كانوا لا يرون في مهنة الزراعة سوي الفجيعة والذُل الدائم، وكان مخرجهم الباقي هو الهجرة إلى "مصر، أم الدنيا"، ولو كان بيدي الأمر كنت أقول لهم، أن السودان النوبي هو أب، وأم الدنيا الحقيقي بشهادة جلّ المؤرخين، في العالم. ياريت، مصر ما تمشي قدام لاستئصال المتبقي من أرضنا النوبية.. ياريت.
كان لابد من التأني قبل الاسترسال في حكاوي الصبا المجنونة، أن أعرّج قليلاً على منطقة شمال السكوت، التي شكّلت ذاكرتي الموسيقية، وثقافتي الحميمة في التعامل مع الآخرين..
لمزيد من التفاصيل عن مركز كوشة، فإن اللورد كتشنر، الذي استقدمه الإنجليز من الهند، لرد السودان إلى بيت الطاعة، وردّ الاعتبار للتاج البريطاني بعد اغتيال غوردون باشا في قصره بالخرطوم في 1885م. كان كتشنر قد شرع في مد الخط الحديدي بين وادي حلفا وكرمة، قبل إنشاء خط حلفا – أبي حمد، حوالي 1898م، عقب انكسار رايات المهدية (الدراويش)، في موقعة "توشكي"، ويقول بعض المؤرخين أن الخط الحديدي بين وادي حلفا وكوشة، كان قائماً منذ عهد الباشا محمد علي، وكانت قرية كوشه مركزاً إدارياً، ومحطّة رئيسة للسكة حديد، ويذكر بعض الرحالة الإنجليز، الذين زاروها،أن كوشة كانت سوقاً رائجة، تكتظ بأصحاب المهن الشعبية، حدادين وحجّارة، جلاّدين،وفخرانية، وكان موظفي الدولة من إنجليز وبقايا مصريين، وأفراد من أصحاب الوظائف الدنيا من السودانيين، يعملون في كوشة، وتشهد أطلال السوق القديم على رواج بشري تجاري كبير، ( رحم الله العمّ حسين مغازي، فقد حاول بعث بعض الروح في تلك المباني الشاهقة، ولم يفلح)،. ويقال بأن عمّنا دهب فضل العربي، عاصر سوق كوشة طفلاً، وكان يساعد أسرته في بيع البُرم والأواني الفخارية، وقد اكتسب منها لقب"دهب ديدي".
شيّد اللورد كتشنر الخط الحديدي من كوشة إلى "أبو صارة" بعيداً عن قرى سكّوت، في خط مستقيم، ذلك لأن النيل يغير مساره شرقاً من عبري حتى قرية كوشه،لمسافة "30 كيلو متر" ثم يتجه شمالا. ويروي بعض المعمّرين من أمثال " أحمد حاجكومبو"، الذي عمل طاهياً للورد كتشنر، أن عمّنا " مصطفى إدريس" من أرض الحجر، عمل دليلاً في جيش كتشنر، بينما جاء "زكي صالح" والد الراحلة "زكية شاية" بعبري، وكان يشغل وظيفة "أشرجي"، سلاح الإشارة، حتى وصول الجيش إلى كرمة.. وقد كافأه اللورد كتشنر مادياً بينما أصرّ العم " مصطفي إدريس" على الفوز بتصديق زراعة القمشة في أرض الحجر بصفة احتكارية، وهنا أستنهض الباحث الشاعر النوبي المهموم إبراهيم عبده، وكل قبيلة (التولّي جاني) لتصحيح هذه المعلومة
لا شكّ أن البوار الذي صادف خط كوشة- كرمة، جاء بعد أن غيرت الإدارة البريطانية رأيها، وشرعت في إنشاء الخط الحالي(حلفا – أبي حمد)، لتقليل التكلفة، من ناحية، ولأن المنطقة النيلية من حلفا حتى كرمة والشايقية، لم يكن فيها ما يدعو لتجهيز جيش لإخضاعها، من ناحية أخرى، وفقدت كوشة أهميتها الإستراتيجية، حتى عام 1914م، وقيام الحرب العالمية الأولى، حيث تمّ اختيار قرية عبري مركزاً إدارياً بديلاً، حتى عام 1927م، حيث نقل المركز إلى وادي حلفا.
لا بد من رابط بين اسم " كوشة" وممالك كوش التاريخية، كما أن مرحلة الازدهار التي سادت فيها، ألقت بظلالها في التكوينات الإثنية -الثقافية للقرية، كعموديتها التي تضم خمس بلدات، ووجود أسرة " برهان"، التي تقوم بعلاج مرض السرطان الحميد "كشرا"، ويسميها البعض " بُرهامي" وتحتكر أسرة الشيخ يعقوب برهان أسرار تلك الوصفة العلاجية ويتوارثونها بشكل صارم حتى الآن،
في كوشة، عاشت خالتي حرم الشيخ، وينتظم أبناؤها وبناتها في عقدهم الاجتماعي المتكافل، الأمر الذي جعلني جزءاً لا يتجزّأ من تلك القرية، وهم أناس مسكونون بحب الغناء، والذكاء والأريحية.
عمودية كوشة تضمّ كوشة –مفركة –فركة – سركمتو ودال" وتمثّل القطاع الأكبر من شمال السكّوت، وهي منطقة غنية بالآثار، والشخصيات القومية المؤثرة، وسأكتفي بذكر العلاّمة الموثّق والمحقّق الراحل محمد إبراهيم "أبو سليم، مؤسس دار الوثائق المركزية، عن جدارة، والدكتور عبد القادر شلبي، وهو علم على رأسه ألف شعلة حبّ للأرض النوبية، مدّ الله في عمره، أما الشيخ جعفر دسوقي، الطبيب الإنسان فعاش في فركة، بحضن " جبل ميمي" وأصل الاسم "جبل موليه". وفي مفركة، تعيش أسرة سمل العريقة، وتنتشر فيها بطون الولياب بكثافة، كما ورد في كتاب "الوليابللاستاذ محمد عثمان فركاوي.. وكانوا حكّاماً لمنطقة سكوت وأجزاء من المحس،وتوجد مقبرة آخر ملوكهم " أحمد كاره" في كوشة، ولا أنسى الفنانين (أحمد آغا، من كولب، والفنان حسن خيري في جزيرة سرقد، والفنان صالح تينة " فركة – سابون)،، والفنان محمد خيري شنان، والشاعر المتمرد محمد مختار عبدون وشقيقه الشاعر عبد الرحيم، في سركمتو، والشاعر الإنسان "مندق على الأزهري"، في فركه..
وللحدادين وجود مكثف في كوشة، الراحل فرح تبد، وهمّد عبد الله، وسيد تبد وشيخ الدين، والباحث النوبي المتّقد سمير بكاب،، والشاعر محمد فضل بكاب، وبما أن المجال لا يتسع لذكر الجميع، فليعذرني كل من خانتني الذاكرة في استحضاره هنا..  كانت كوشة وكل قرى شمال السكوت، هي جنتي الوارفة التي أهرب إليها حين يدْلهِمّ الجو، فحبّهم للغناء والرقص والمرح، هو كل كانوا يملكونه للصمود بوجه غارات الظلام السياسي ورياح الخماسين القادمة من جحيم صحراء العتمور.. والفقر النبيل
وفي هذه المنطقة النائمة على ضفاف النيل، تكسّرت أنياب جنود " حسن قوشي " التركية السابقة" حوالي 1405م (؟)، عندما أرسله الوالي من استانبول لاستعادة سلطة " مملكة كوكّة" بعد سقوطهاا على يد جيش المغاربة.. (ولا ندري.هل كانوا من المغرب، أم من كردفان ودارفور؟)، لهذا الحسن قوشي ينتسب العديد من سكّان السكوت، ومنهم "المقدباب" بعبري. أمّا حاكم "كوكّه الجديد" سُكّر" فقد جاء مع الحملة برفقة أخيه جامع، الذي أصبح شيخاً للإسلام في المنطقة، وعاش في السّكوت،وينتسب إليه العديد من الأسر في السكوت.. كما أن " أنساب المحس" المستخرجة من الكتبخانة المصرية في 1956م، يرتكن على مقدم "سُكّر" الذي يزعم انتسابه إلى كعب الأنصاري
قال القائد التركي الذي لاقى مقاومة شرسة من النوبيين عند جبل ميمي في فركة" أحذورا هؤلاء النوبيين، فإنهم يأتون مع زبد البحر
سوف يطول حديثي عن هذا الجزء العزيز من منطقة سكّوت، عندما أتحدّث عن الغناء الشعبي النوبي  

ود البشير الخضرجي (2)


كان كل شيء يبدو رائعاً وعلى ما يرام، وقد بلغت التاسعة في ذلك العام، أنا كبرى شقيقاتي الثلاث، والأثيرة عند أبي، ورغم أنه لم يحجّ إلى بيت الله الحرام، فإن جدّي سمّاه حاج، كان أبي مصاباً بعشق الشاي والجمال، لا يرتوي منهما أبداً، أمي لم تكن تلبي رغباته المجنونة تجاه الشاي خشية أعباء مالية إضافية، وكنت من وراء ظهرها أجهز له الشاي، كان أبي أبرع من يقتنص الضيوف، من أبعد المسافات، يحلف بالطلاق لجلبهم إلى مضيفتنا، لشرب الشاي. في بواكير طفولتي سمعت أمي تملأ الدنيا صراخاً، تهيل فوق رأسها التراب وهي تندب حظّها، كل ذلك لأن أبي هوى من نخلة طولها متران، ونام في يقيني أن كل رجل وامرأة يحبان بعضهما كأبي وأمي، أصبح الحب في نظري عبادة، من المفترض أن يجازى فاعلها ويعاقب تاركها، لأن الله محبة، حتى أنني حملت في أعماقي وزر خطيبي صلاح، الذي قطعت علاقتي به، أشعر كأن الله سوف يعاقبني.
يتكئ منزلنا على بقايا قصر قديم، فوق شاطئ النيل، يزعم أبي أنه ورثه من جده الكبير، قالوا أن جدّي، كان غنياً كثير الأسفار، وله أصدقاء ومعارف كثر، بطول البلاد وعرضها، يبدو ذلك في سعة مضيفته، ومخلفات حديقته العامرة بجذوع النخل النافقة، أمام باحته المطلّة على الشاطئ، وقصة الثروة الضخمة التي بدّدها أبي في شبابه، بكرمه، أو بعبثه وشيطنته مع النساء، كحلت ذلك في النظرات المريبة، والمشاكسات الداخلية، والتي كانت تحسم دائماً لصالح أمي، كان أبي غاطساً لما فوق أذنيه في عالم السكر، ويخفي ضعفه بحزم مصطنع أمام الأغراب، ثم ينكفئ أمامها سراً ويعتذر، بألطف عبارات الاعتذار، بدا لي أن أمي كانت تستمرئ تلك اللحظات المنتصرة، وتجترها خفية، كنت أسمع همساتها الباكية، عقب كل صلاة، وهي تبتهل إلى الله أن يأخذ بيد زوجها، وأن يمنّ عليه بفيزة إلى دول النفط، فالهجرة إلى دول البترول، كان ولا زال حلم أهل قريتنا، المخنوقة بين النهر وصحراء العتمور، " أرض بلا ظل" كما قالت جدتي عائشة المحسية، رحمها الله. كانت ابتهالات أمي المتواصلة لإبعاد أبي تضايقني، لأن الرابط بيني وبين أبي ظل يتجاوز حد الأبوة والبنوة، إلى رحاب الصداقة الهادئة، كنت أهرول إلى ركن المسيد، وأدعو الله في سري، أرجوه ألا يستجيب لدعوات أمي المتكررة، دون أن يفارقني الإحساس بأنني أرتكب جرما في حق أمي،  فأعود للاستغفار الذليل، سألت جدتي عائشة ذات مرة: أين يسكن الله، فأجابت باختصار، " جلّ جلاله، فوق المسيد"، أنه سبحانه وتعالى، يتجلّى فوق سقف المسيد، فلم أفهم معنى التجلّي، ولما كبرت أدركت عمق إجاباتها وضحالة أسئلتي.
الناس يتوارثون مهنة الزراعة، على ضفاف النيل، في حيازات صغيرة بائسة بين تجاويف الشواطئ المتآكلة والرمال الزاحفة والجبال الذاهبة إلى أعماق النيل، كان أبي مزارعاً يعتمد على ما تجود به أرض ساقيتنا الواقعة بأقصى شمال القرية، تحفّها غابات كثيفة من النخل البائس، والذي لا يسد الرمق، باستثناء ثلاث نخلات، غزيرة الإنتاج قائمة على أكتاف الساقية،  أطلق عليها أبي أسماء كريماته، الكبري سماها بدرية، وذلك هو اسمي، والوسطى آمنة، والصغرى ابتسام، أبي كان فخوراً بنا، رغم حرصه الشديد على إنجاب ابن ذكر، ليقوم بحمايتنا على حد قوله، فهو يكره لقب " أبو البنات، الذي التصق به منذ ميلاد شقيقتنا الصغرى ابتسام، في تلك السنوات كانت أمي تتردد على كل قبور الأولياء الصالحين، تستدر عطفهم بالقرابين، ليساعدوها في إنجاب ابن ذكر، ليس لأن المساعد الطبي لقريتنا كان ضريراً، بل لأنها لا تؤمن بقبيلة الأطباء من أساسهم.   
جارتي وصديقة عمري، تمايا الحلبية، لم تكن حلبية، التصق بها الاسم لبياض لونها الفاقع كالنبقة الناضجة، وبقع الوشم الزرقاء النائمة في ذراعيها وشفتها السفلى، تمايا بنت جعفرية، ابنة ود البشير الخضرجي، ولدت في نفس يوم ميلادي، وكنا جيرة، فنشأنا كما التوائم، كانت تمايا متعافية منذ طفولتها، تفوقني حجماً وذكاءً، وكانت الشيطانة تعرف أنها جميلة، وبها أنفة مغيظة، تنظر إلى شباب القرية من فوق سبع طوابق من التعالي والعنجهية، تختال كالبطة البرية في طرقات الحي، تهفو إليها الأنظار، البريئة والخبيثة، كانت تحلم بفارس يأتيها من الأفق البعيد، ليحملها إلى الموانئ  المحتشدة بنوارس البحر، والمدن التي تعج مصابيحها ليل نهار. تمايا الحلبية كانت يافعة، عندما انهارت أمها جعفرية في فراش الموت وفي بطنها جنين بائس، حملوها إلى شفخانة القرية، واجتهد الطبيب العمومي وقرر تحويلها إلى مستشفى المدينة، أهل البلد يقرّون بأن جعفرية لم يقتلها المرض، جعفرية لم تصمد أمام ويلات وعورة الطريق وبعد الشقة بين قريتنا والمدينة، وبيروقراطية الإجراءات الميرية، جعفرية ماتت وود البشير لا يجد في جعبته شيئاً يقدمه أجراً للتسهيلات الرسمية، على عينك يا تاجر، وخلص أطباء المدينة إلى ضرورة إنقاذ الجنين، بعد أن نفذ وقودهم في إنقاذ حياة الأم، وانحازوا إلى جانب الطفل التعيس، استخلصوه من أحشاء الأم بعد وفاتها، وعاد بشير الخضرجي إلى قريتنا، بابنته تمايا، وهي تنوء بحمل شقيقها صابر، فاستقبلتهم القرية بالبكاء والنحيب، وشيئاً من التشاؤم بالمولود الجديد. أهل قريتنا لا يترددون في مثل هذه الحالات، تتقطّع أكبادهم على الأيتام الصغار، ولا يهدأ لهم بال حتى يجبروا الأب على الزواج بأخرى، لتربية  الأطفال، سيّما وود البشير ما زال بخيره، فأشاروا له ففعل، ومن يومها تحكّرت الزوجة الجديدة فوق قلب تمايا وأبيها، الكثير الترحال،  أصبحت ست أبوها أماًً للفتاة تمايا وشقيقها اليتيم صابر.   
شتاءً أتذكر، والبرد النفاذ يجمّد أجسامنا الصغيرة، في الليل ودفء الموقد، كنا نسمع عواء الذئاب الجائعة قرب زرائب الحيوانات الأليفة، وأصوات كلاب الحي المرعوبة تنداح مع صرصرة الريح، وهي تعبث بشراشف سقف حجرتنا المتهرئ، نسمع صوت أبي وهو يترنم بأغنية قديمة، حفظناها عن ظهر قلب، لكثرة تردادها، فقد كان أبي معروفاً بصوته الجذاب، في مجالس الطرب وطقوس الأفراح، على امتداد القرى المجاورة، ومعروفاً بولعه المتزايد بالجميلات، ولمّا كانت أمي جميلة الجميلات في صباها، فقد تعلّق بها أبي وغنى لها العديد من الأغاني، واصفاً إياها بالقمر والغزالة، وكانت في الحقيقة بطينة جسيمة، تقول أمي أنها قبلت بالزواج به، ولم يكن أفضل خطابها الكثر، قالت بأنه كان أكثرهم طيبة وحنانا، كان يلهب مشاعرها ببراءته المفرطة.
في الجانب الجنوبي من صحن دارنا، ثلاث حجرات متصلة عتيقة البنيان، بأبواب خشبية بالية، الحجرة الغربية بلا سقف، تستعمل كمخزن للعلف وبعض الحبوب، والوسطي هي حجرة نومنا، أنا وجدتي وشقيقتي آمنة، تقابلها بالجهة الشمالية ثلاث أخريات، تتوسطها حجرة خاصة بأبي وأمي، وتشاركهما أحيانا، شقيقتنا الصغرى إبتسام، في فصول الشتاء، أما في فصول الصيف، فقد كنا ننام جميعاً في الحوش الكبير، وهناك شجرة حناء ضخمة تفصل بيننا وبينهم.
لأنني ولدت في شهر طوبة، فأنا أعشق شهور الشتاء وأخشى بردها القارس، وكانت نعاجنا تتكاثر في ذلك الفصل المزعج، وقد شهدت العديد من عمليات التوليد القاسية تلك، بإصرار من جدتي عائشة المحسية، الخبيرة في تلك العمليات، كانت المرأة العجوز، تفسر لغة الأغنام والنعاج، وتهرول في أنصاف الليالي إلى زريبة الأغنام، تعرف صوت النعجة الجائعة والعطشى، كما تعرف أصواتها المستغيثة، وكانت تصر رغم ثورتنا ورفضنا الباكي، على أن تشاركنا تلك الحيوانات الصغيرة مرقدنا الشتوي، وتقاسمنا دفء الحجرة الضيقة، على أية حال، لم تكن تلك الحيوانات الصغيرة، بأنينها ورائحتها النفاذة، بأكثر ضررا، من رائحة الفروة المقطرنة التي تغطينا.
حبوبة عاشه، جدتي لأمي، تتوكأ على سبعة عقود ونيف، تتكوّم فوق عنجريب مترهل قرب الموقد الصغير، وقد عوّدتنا كل مساء، أن تدس يديها في جيوب جرجارها الفضفاض وتنفحنا بعض التمر، قبل أن تملأ أخيلتنا الصغيرة بحكاياتها المثيرة، فاطنة السمحة، جقل وجقلين، الأصبع، فاطمة بنت الصقر، أبو الأبّار، كنا نعيش مع شخوص حكاياتها في كهوفهم وسهولهم الواسعة بغاباتها وحيواناتها المتوحشة، كنا نضحك، نغضب، ونتعارك بأرجلنا تحت الفروة، في مشاكسات عنيفة، لا تنتهي إلاّ بسقوطنا صرعى في إسار سلطان النوم.

حكاية ود البشير الخضرجي ..

مكي علي إدريس
 الرياض ديسمبر 2007م

يوم ولدت شقيقتي الصغرى إبتسام، خرجت عمّتي زينب من غرفة الولادة، وقذفت بالخبر في وجه أبي: جابت بنت، قالتها بحزن عميق، كأنها تعتذر لأبي الذي لم يبتهج بالمولودة الجديدة، حتى أنه لم يهرع إلى الداخل ليطمئن على أمي التي رقدت كالجنازة، لفرط إحساسها بالغبن، كان أبي قبيل تلك اللحظة بساعات، يدعو الله العلي القدير أن يعوّضه بمولود ذكر، كتب اسمه بخط رديء، على باب منزلنا المصنوع من خشب السيّال، وذلك لم يحدث... فعشّش الحزن في قلب أبي، كأن أمي هي التي اختارت جنس الجنين البائس، وكبرتُ وكبر معي هذا الإحساس السلبي المشوّش تجاه جنس الذكور.
أنا كُبرى ثلاث إناث ولدن على التوالي في أسرة ريفية، بضفاف النيل الشمالي، أشجع فريق برشلونة كنوع من الانتماء الوجداني الحُر، فكثيرون من مشجعي فريق الهلال الوطني، يتابعون انتصارات فريق الهلال السعودي، بفوح الاسم الرّنان، كضريبة مستلفة لهلالهم السوداني البعيد عن ساحات الانتصار، وأحب منتخبنا الوطني برغم هزائمه المرة، منذ بروز لافتة الرياضة الجماهيرية في سنوات أبونا وقائدنا الملهم، كنت أمارس السياسة من بين صفوف المستقلين في الجامعة..
 زوجي مبعوث قديم في أرض الحرمين، وقد وفّر لي حياة أسرية مستقرة، تتخللها اجتماعيات محدودة، مضت عشر سنوات من زواجي ولم أنجب حتى الآن، وأعيش حالة مقرفة من الوحدة والتقوقع، ياه!! ما أقسى الحظ العاثر في الغربة!! أعترف بأني لم أتزوج عن قصة حب، كتلك التي يحلم بها المراهقون والمراهقات، ولكنني أقدس العلاقة التي تربطني بزوجي، وأناضل من أجل إبقائه دوماً في دائرة اهتمامي، ولأن سنوات البريق قد انزلق أكثرها، فلا وقت لمغامرة بحث عن مستقبل آخر وردي اللون، ولا أدري، هل أنا سعيدة مع زوجي أم لا، فمن الصعب وضع معايير محدّدة للسعادة في هذه المهاجر البعيدة عن بلادنا الدافئة بالأمن الاجتماعي والتسامح العتيق، فالمهاجرون هنا أنواع متعدّدة، هناك نوع من المهاجرين الباحثين عن الذّات بطوعهم وإرادتهم وقدراتهم المادية والمعنوية، وهؤلاء يأملون كثيراً في العودة الغانمة إلى الوطن الحبيب، بأقصر الطرق، وهم قلّة كصالحٍ في ثمود، أما النوع الثاني فهم الهاربون من مسغبات الأزمنة الرديئة وغلالات الفقر المعششة في أطراف الوطن، المفروش على مليون ميل من الخيرات المدفونة والظاهرة للعيان، المشرئبّون إلى ما وراء شعاب الفقر المقيم، وهؤلاء يتصيّدهم بغاث الاحتيال والسخرة، بقدر سذاجاتهم وموت ضمائر أصحاب القرار، وأحياناً لعدم احترامهم لأنظمة البلد المضيف، منهم من تقطّعت بهم السبل في أسواق العمالة المهرولة وراء الكفاءة المختبرَة، فعادوا عاطلين رغم أنوفهم، على أملٍ يتراوح فوق أجنحة السراب، يستبقيهم فوق جمر الفرج البعيد، وهؤلاء يمثلون قطاعاً مستميتاً في استنساخ التجربة المُرّة جيلاً بعد جيل، هل أتحدّث في السياسة إذا قلت أن هؤلاء المهاجرين يريدون العودة إلى الوطن، عند زوال الأسباب التي أجبرتهم على الهجرة، وإن على حكومات بلادي وضع هذا في الاعتبار؟ ما علينا، ولكن أسمحوا لي بأن أهمس"أنّ هناك صنفاً آخرَ من المغتربين أصابتهم الكآبة ممّا يجري في بلادهم، فوطّنوا أنفسهم تماماً على البقاء الأبدي  في مهاجرهم، فإذا زرت أحدهم في منزله، طالعتك بعض الصور العتيقة لدفوفة كرمة وإهرامات مروي القديمة، وبعض الرسوم والتحف والأناتيك المعبرة عن حوض النيل، ولا شيء غير ذلك يعبّر عن الوطن، الذي مات في قلوبهم وعاداتهم.
أدوّن هذه الخربشات في دفتري الخاص من وراء زوجي، فالأزواج عموماً يتحسسون رجولتهم عند رؤية أوراق الزوجة الخاصة، ومهمتهم هنا ليست إشرافية، بل وصاية يكتسبونها ساعة التوقيع على القسيمة، الوصاية المبنية على أساس الإنفاق والحماية منذ أقدم العصور، فلا غرابة في أنّ زوجي الطيّب لا يشعر بالفراغ والوحدة التي أعانيهما، يعتقد أنه أغرقني في بحور السعادة، هل قلت لكم أننا طرقنا كل أبواب العلاج لاستكمال زينة الحياة الدنيا؟، لقد فعلنا ذلك مراراً دون طائل، وكان بعض القادمين من الوطن في إجازاتهم، يحملون إليّ أشواق أمي وأبي وأخواتي، وشيئاً من تلك الأوراق الملفوفة بإحكام في أغلفة جلدية، لحجب أعين الشياطين وفكّ العارض، أنا قليلة الثقة بتلك الأمور.
أجالس المرآة كعادتي كل صباح، بعد أن يغادر زوجي إلى دوامه الطويل، أتصفح وجهي الطبيعي يمنة ويسرة، تحبطني خطوط العمر التي ارتسمت بعناد حول أجفاني الواسعة. هذا الصباح، مددت يدي للأحمر القرمزي وشعرت بأن شيئاً غير طبيعي يصادر بهجة يومي، شفتي تؤلمني بشدة، لا أستطيع الضحك ولا الابتسام، لعلها المعدة اللعينة، الإمساك المزعج الذي ظل يلازمني منذ سنوات الطفولة.
رنّ في هاتفي المحمول رقم غريب غير معتاد، ترددت طويلاً قبل أن أفتح الخط، وجاءني صوت صديقة عمري تمايا الحلبية!! فصرخت واااااي، مش ممكن ما معقولة يا بت، مستحيل، ودخلت في بكاء هستيري، قالت أنها عادت لتوّها من ماليزيا، مع زوجها المبعوث هناك منذ أعوام، ابتهجت لعودتها، ومنذ ذلك الصباح صارت صديقتي تمايا أيقونتي في المهجر الجاف، التي أهرب إليها حين تتعذر الرؤية وتدلهم الأوضاع بيني وبين زوجي مدحت، تمايا نفسها هي التي أخبرتني بما حدث لوالدها ود البشير الخضرجي، ومنذ تلك الفترة تلوّن دفتري بسيرة ود البشير وناس قريتنا، وطفولتي ومرتع صباي... وأشياء أخرى صدئة تنام في تلافيف الذاكرة، منذ أيام الطفولة البعيدة.